المولد النبوي.. قصة دعاء النبي في الطائف الذي صار ملاذا للمكروبين عبر العصور

يصادف يوم الخميس القادم، 4 سبتمبر 2025، الموافق 12 ربيع الأول 1447 هـ، ذكرى المولد النبوي الشريف. في هذا اليوم، نستذكر كيف أنعم الله على الأمة الإسلامية بإرسال النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لهدايتها من الظلمات إلى النور. واليوم، يعتنق الإسلام نحو ملياري مسلم، مما يجعلهم ثاني أكبر عدد في العالم بعد المسيحيين.
إلا أن هذا لم يكن الحال في الأيام الأولى لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد واجه عداءً شديدًا من قومه الذين أُرسل إليهم. كما استعان بالقبائل المجاورة، لكن دون جدوى. إضافةً إلى ذلك، عانى من أذى جسدي ومعنوي. ومن أشهر هذه القبائل قبيلة ثقيف في الطائف، التي ألحق بها أبناؤها أذىً بالغًا، حتى إنه بعد أن تخلوا عنه دعا بدعاء يُعدّ من أشهر الأدعية في تفريج الكرب. فماذا فعل أهل الطائف بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ وماذا دعا لهم بعد لقائهم؟ فيما يلي إجابة على هذه الأسئلة، وفقًا لكتاب “محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم” لمحمد رضا.
أجواء الطائف قبل الرحلة
بعد عشر سنوات من بعثته، انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في رحلته إلى الطائف، إثر وفاة زوجته خديجة بنت خويلد وعمه أبو طالب في العام نفسه. وقد سُمّي هذا العام بعام الحداد، تعبيرًا عن حزنه العميق على فقدان أبرز أنصار رسالته. بل إن قريشًا استغلت هذه الأحداث لتكثيف اضطهادها للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ظنًّا منهم أن أنصاره قد لقوا حتفهم.
لذلك فكّر النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة القبائل المجاورة لقريش إلى الإسلام، وطلب تأييدها في قتالهم. وكان أبرز هذه القبائل قبيلة ثقيف في الطائف، وهي مدينة في منطقة الحجاز، تبعد 105 كيلومترات جنوب شرق مكة المكرمة، وتشتهر بمناخها اللطيف وتربتها الخصبة وفواكهها المتنوعة وعيون مياهها العذبة الوفيرة.
خيانة أهل الطائف
ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه مولاه زيد بن حارثة، إلى أشراف ثقيف بالطائف يدعوهم إلى الإسلام ويطلب نصرتهم في قتال قريش. فقال له أحدهما: “ألم يجد الله أحدًا يرسله غيرك؟” فقال الآخر: “والله لا أكلمك بعد الآن، إن كنت رسول الله فأنت أخطر عليّ من أن أجيبك، وإن كنت تكذب على الله فلا يليق بي أن أكلمك”.
غادر النبي صلى الله عليه وسلم مجلس أشراف ثقيف غارقًا في همٍّ وحزن. لكن ذلك لم يكفِ، فقد أمر شيوخ الطائف سفهاءهم وعبيدهم بملاحقته، ولعنوه وقذفوه بالحجارة حتى دمت قدماه. ثم تلا دعاءً أصبح، لصدقه وإخلاصه، مرجعًا لكل يائسٍ ومضطرب:
“اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا رب المستضعفين، إلى من تكلني؟ عدوٌّ ظلمني، أم غريبٌ سلطته على أمري؟ إن لم تكن غضبانًا عليّ فلا أبالي، ورحمتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك أو ينزل بي سخطك، لك الذل حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”.
هذا الدعاء يعكس صبر النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه وعفوه. لم يدع صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف رغم ما قاسى من بلاء، بل اكتفى بالدعاء لله تعالى أن يخفف عنه، ولم يبالِ به ما دام الله راضيًا عنه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.