أبو عبيدة.. من أسر شاليط إلى طوفان الأقصى: الصوت الملثم الذي أرّق إسرائيل

منذ 4 ساعات
أبو عبيدة.. من أسر شاليط إلى طوفان الأقصى: الصوت الملثم الذي أرّق إسرائيل

شنّت قوات الاحتلال الإسرائيلي غارة جوية مكثفة على مدينة غزة. وقيل إن الهجوم استهدف أبو عبيدة، المتحدث باسم كتائب القسام. ووصفت وسائل إعلام عبرية الهجوم بأنه محاولة اغتيال.

أقرّت هيئة الإذاعة الإسرائيلية بأن نتيجة العملية لا تزال غير مؤكدة، مؤكدةً أن اغتيال أبو عبيدة “في حال نجاحه، سيكون بالغ الأهمية”. ومع ذلك، ذكرت أنها تنتظر “نتيجة القصف”، في إشارة واضحة إلى الغموض الذي يكتنف مقتل المتحدث باسم المقاومة الفلسطينية.

الأيقونة المقنعة

رغم إخفاء هويته الحقيقية واسمه الأصلي، ظلّ أبو عبيدة حاضرًا على مرّ السنين، مُغطّىً بكوفيته، لا يكشف إلا عن عينيه. وحُفر في أذهان المراقبين العرب رمزًا للمقاومة الفلسطينية. لم يعد مُجرّد ناطق عسكري يُلقي بياناتٍ جامدةً صامتةً، بل خطيبًا مُلِمًّا يُلقي خطبًا بليغةً تُشعّ ثقةً وثباتًا. ويرى مستمعوه في كلماته تجربة حية للنضال ضد المحتلين، إذ تبدو جملته جزءاً من سلاح المقاومة، لا تقل فعالية عن وابل الرصاص وهدير الصواريخ.

رسالته الاخيرة؟

في اليوم السابق للهجوم، حذّر أبو عبيدة في بيان له من أن أي محاولة إسرائيلية لاقتحام مدينة غزة ستُعرّض حياة الأسرى الإسرائيليين للخطر. وحمّل الحكومة وجيش الاحتلال المسؤولية الكاملة، مؤكدًا أن الحركة ستُبقي الأسرى إلى جانب مقاتليها على الجبهات “قدر الإمكان”. كما هدد بنشر صور وأسماء وشهادات وفاة جميع الأسرى الذين قُتلوا في الهجمات الإسرائيلية. واتهم تل أبيب بتعمد “تقليص عدد الأسرى الأحياء وإخفاء جثث القتلى”، وتوعد بأن “الاحتلال سيدفع ثمنًا باهظًا”.

أسر شاليط: بداية صوت المقاومة

منذ ظهوره الأول، دأب أبو عبيدة على الجمع بين التصريحات العسكرية والتهديدات المباشرة لقوات الاحتلال ومستوطنيها. في يونيو/حزيران 2006، هدد بتحويل مستوطنة سديروت إلى “مدينة أشباح” ردًا على تصعيد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ثم أعلن لاحقًا عن أسر الجندي جلعاد شاليط في عملية “تبديد الوهم”. في أبريل/نيسان 2008، خلال المؤتمر الذي أطلق عملية حقل الموت، أدلى بأحد أشهر تصريحاته عندما قال إن الجندي الصهيوني الذي غزا غزة لن يكون أمامه سوى أربعة خيارات: “إما أن يقتل، أو يقع في الأسر، أو يصاب بإعاقة دائمة، أو يعود مريضاً نفسياً إلى الأبد، ولن يعود منتصراً تحت أي ظرف من الظروف”.

مع اندلاع العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة (2008-2009)، والذي أطلقت عليه قوات الاحتلال اسم “عملية الرصاص المصبوب” وأطلقت عليه المقاومة اسم “معركة الفرقان”، أصبح أبو عبيدة الناطق العسكري الرسمي لأول مرة في حرب شاملة. وأصبح صوته واجهة المقاومة. خاطب الفلسطينيين والعرب، وكشف عن خسائر قوات الاحتلال، ورفع المعنويات بتقارير عن إنجازات المقاتلين وصمود الجبهة الداخلية. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الصوت المعبر عن المعركة، والواجهة الإعلامية الدائمة للمقاومة في كل مواجهة لاحقة.

 

محطات بارزة

في يونيو/حزيران 2020، عندما أعلنت قوة الاحتلال عن خططها لضم أجزاء من الضفة الغربية، أصدر أبو عبيدة بيانًا ناريًا أكد فيه أن المقاومة ستدافع بصدق عن الشعب الفلسطيني. وتوعد العدو بـ”أن يعضّ أصابعه حزنًا” على ما اعتبره قرارًا خاطئًا، ووصف الخطط بأنها “إعلان حرب”. ساهم هذا الخطاب في ترسيخ معادلة جديدة: المقاومة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولة لتصفية القضية الفلسطينية. في مايو 2021، خلال معركة القدس، بلغ حضور أبو عبيدة ذروته. مجرد إعلان خطابه حوّل شوارع غزة وبعض المدن العربية إلى صرخة حرب. رسّخ خطابه آنذاك صورته كصوت واثق عندما وصف الهجمات الصاروخية على تل أبيب والقدس وديمونا وأسدود وعسقلان وبئر السبع بأنها “أقل أهمية بالنسبة لنا من شرب الماء”. بعد انتهاء المعركة، وجّه رسالة حاسمة إلى جمهوره: “بعون الله، استطعنا إذلال العدو ووحدته الهشة وجيشه الوحشي”.

في سبتمبر/أيلول 2021، وبعد أن أعادت قوات الاحتلال اعتقال الأسرى الفارين من سجن جلبوع في إحدى أكثر العمليات جرأة، صرّح أبو عبيدة بوضوح بأنه لن يكون هناك أي تبادل أسرى مستقبلي مع الاحتلال إلا بالإفراج عن هؤلاء الأبطال. وأكد هذا الموقف مجددًا أن قضية الأسرى تُمثل خطًا أحمر غير قابل للتفاوض بالنسبة للمقاومة.

أبو عبيدة جلادها: الموسيقى تُشيد بصوت المقاومة

في مايو/أيار 2021، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي الفنان الشعبي الفلسطيني معين الأعسم واستجوبته بسبب أغنيته “غزة أرض الكرامة”، التي يمجد فيها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة. من كلمات الأغنية: “أبو عبيدة جلادهم… يُرهبهم ليلةً بعد ليلة” و”يا غزة يا أرض الهدى… رُبيتِ بكرامة”. انتشرت الأغنية على نطاق واسع، وخاصةً على تيك توك، حيث انتشر فيديو كليبها على نطاق واسع بين المشاهدين الفلسطينيين والعرب.

وبعد ساعات من التحقيق أفرجت قوات الاحتلال عن الأعسم، إلا أن الحادثة أثارت ردود فعل غاضبة، اعتبرها الأهالي محاولة أخرى من قبل الاحتلال لقمع الأصوات الفنية التي تعبر عن مشاعر الناس ودعمهم للمقاومة.

في يونيو/حزيران 2024، استخدمت كتائب القسام الموسيقى في رسائلها الإعلامية، وبثت مقطع فيديو على لحن أغنية كايروكي الشهيرة “تلك قضية”. تضمن المقطع مقتطفات من خطاب سابق للناطق الرسمي باسمهم، أبو عبيدة، قال فيه: “نحن غزة، بسمائها وهوائها وبحرها ورملها. سنذكركم في كل مرة أنها مقبرة للغزاة وغارة للمحتلين على مر العصور”.

لم يكن اختيار هذه الأغنية مصادفةً؛ فهي تلقى صدىً شعبيًا، وتضفي على رسالتها بُعدًا ثقافيًا وشعبيًا يتجاوز غزة ليصل إلى العالم العربي. وهكذا، يمتزج صوت المقاومة بالموسيقى المعاصرة.

 

المقاومة تفوز في الحرب الإعلامية

في أبريل/نيسان 2020، أطلقت كتائب القسام قناة خاصة بها على تطبيق تيليجرام باسم “أبو عبيدة – الناطق العسكري باسم كتائب القسام” كقناة إضافية لنشر التصريحات والمعلومات من قبل الرجل الملثم، الذي أصبح مصدراً للمعلومات والأخبار على جبهات القتال. أفادت وسائل إعلام عبرية بتزايد الانتقادات للتدهور الحاد في صورة إسرائيل الدولية خلال الحرب الدائرة في قطاع غزة. وحذرت من أن الحملة العسكرية قد أفقدت تل أبيب الكثير من مصداقيتها الدولية، وأنها تُعتبر “حفلة جامحة” في العواصم الغربية. وفي الوقت نفسه، أشادت بقدرة حماس على استغلال التغطية الإعلامية بمهارة لصالحها.

في هذا السياق، انتقدت تال شنايدر، المراسلة السياسية لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، غياب القيادة الإعلامية في إسرائيل. وقالت إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتصرف وكأنه “سيد السرد”، بينما في الواقع، فشل في إيصال الخطاب الرسمي للبلاد إلى الرأي العام العالمي.


شارك