مدينة كاملة تحت رمال الصحراء المصرية.. “أمهدية” مستوطنة رومانية تعود للحياة بعد آلاف السنين
في الركن الشمالي الغربي من واحة الداخلة، على بُعد كيلومترات قليلة من مدينة القصر الإسلامية، تقع الأمهدية، وهي مدينة رومانية متأخرة هُجرت وغُطّيت بالرمال في أواخر القرن الرابع الميلادي. وقد حُفظت هندستها المعمارية ونقوشها ومدرستها وحماماتها وكنيستها الجنائزية القديمة، مما يُتيح للباحثين لمحة نادرة عن حياة مدينة واحة على أطراف الإمبراطورية.
تقع أمهدية شمال غرب واحة الداخلة بمحافظة ناتال. ويُحددها علماء الآثار بأنها موقع مدينة تريميثيس الرومانية المتأخرة، والتي كان اسمها المصري القديم “ست واه”، أي “مكان الراحة”، قبل أن تُعرف باسمها اليوناني “تريميثيس” خلال العصرين البطلمي والروماني.
أكد ذلك عالم الآثار ماهر بشندي، المدير السابق لآثار الداخلة، موضحًا لايجي برس أن الموقع يقع جنوب مدينة القصر، وكان تابعًا لمنطقتها الإدارية في فترات تاريخية لاحقة. وهذا ما تدعمه الدراسات المنشورة لمشروع الأمهدية.
تابع ماهر: “توجد آثار قديمة على أطراف أمهديّة، تشير إلى نشاط ما قبل التاريخ، مع وجود أدلة من عصر الدولة القديمة بالقرب من التل الذي بُني فيه لاحقًا معبد للإله تحوت. وهذا يعني أن الموقع كان ذا أهمية مبكرة، قبل أن يصبح مدينة متكاملة”.
وأشار إلى أنه بين عصر الدولة الحديثة والعصرين البطلمي والروماني، تم بناء معبد لتحوت في أمهديّة، والذي ظل مستخدمًا طوال العصرين البطلمي والروماني.
قال ماهر إن القرن الرابع الميلادي كان ذروة ازدهار المدينة، حيث بلغت تريميثيس ذروتها في أواخر العصر الروماني/أوائل العصر المسيحي. كشفت الحفريات عن مدرسة أدبية يونانية نُقشت نصوصها مباشرة على جدرانها، وبيت سيرينوس، عضو مجلس المدينة، ذي الزخارف الجدارية الأسطورية، وحمام عام متعدد الطوابق، وكنيسة جنائزية تعود إلى أوائل القرن الرابع الميلادي، وهي من أقدم الكنائس المبنية لهذا الغرض في مصر، وتضم أحد أقدم سراديب الموتى المسيحية المكتشفة. يُرجَّح أن المدينة هُجرت في أواخر القرن الرابع الميلادي.
وأشار إلى أن الرحالة الأوروبيين زاروا المنطقة تباعًا بدءًا من القرن التاسع عشر وحتى عشرينيات القرن التاسع عشر. وبدأت الاستكشافات العلمية المنتظمة في ستينيات القرن التاسع عشر، مما أدى إلى إطلاق مشروع الأمهدية كجزء من مشروع واحة الداخلة مع بداية الألفية الجديدة. وفي عام ٢٠٠٨، أصبحت جامعة نيويورك (ISAW/NYU)، بالتعاون مع شركاء دوليين، الراعي الرئيسي للمشروع.
أشار عالم الآثار منصور عثمان، الخبير في الآثار القبطية بالوادي الجديد، إلى أن المنطقة تضم العديد من المنازل والآثار، ويُعتبر منزل سيرينوس من أفضل نماذج المساكن الحضرية المتأخرة في الصحراء المصرية. وقد أتاحت زخارف جدرانه الأسطورية وقاعاته المزخرفة للباحثين مفتاحًا لفهم الأذواق الفنية والرمزية للنخبة المحلية. وعلى مقربة منه تقع مدرسة أدبية يونانية، زُيّنت جدرانها بنصوص بلاغية حمراء تدعو الطلاب إلى الارتقاء إلى قمة الخطابة بصحبة آلهة الإلهام.
أوضح منصور لايجي برس أن هذه المجموعة، بما فيها منزل ومدرسة سيرينوس، وثّقت جانبًا فريدًا من الحياة المدنية والمدرسية في واحة الداخلة في القرن الرابع الميلادي. كما تضم المنطقة حمامًا، يعكس البنية الخدمية للمدينة الرومانية وتغيراتها عبر الزمن. وقد وُثّقت مراحل الاستخدام المتعاقبة، مما يدل على حيوية الموقع وتكيفه مع احتياجات سكانه.
تابع موسانر قائلاً إن المنطقة تضم كنيسة جنائزية قديمة. وقد أُجريت حفريات في بازيليكا قديمة بين عامي ٢٠١٢ و٢٠٢٣، ونُشرت نتائجها عام ٢٠٢٤. وتُظهر هذه الحفريات أنها من أقدم الكنائس المُشيّدة لهذا الغرض في مصر، وتحتوي على سرداب جنائزي قديم يُعدّ من أقدم السراديب المُكتشفة على الإطلاق. كما يُغيّر هذا الاكتشاف خريطة المسيحية المبكرة في الواحات.
زعم منصور أن أمهدية كانت المثال الأكمل لمدينة واحات متأخرة، إذ حافظت الرمال على طبقاتها الحضرية والتعليمية والدينية. تكشف هذه الصورة العامة عن سلطة محلية فعّالة (مجلس مدينة)، وتعليم يوناني نابض بالحياة، وخدمات عامة (حمام)، وعمارة سكنية مزخرفة، ومؤسسات دينية تتراوح من معبد تحوت إلى مصلى جنائزي قديم، مع اقتصاد مرتبط بالواحات الأخرى ووادي النيل.
وأوضح محسن عبد المنعم الصايغ، مدير هيئة تنشيط السياحة بالوادي الجديد، لايجي برس، أن مشروع الأمهدية انطلق عام 2001 بإشراف أكاديمي دولي، وأن جامعة نيويورك هي الراعي الرئيسي منذ عام 2008، وتحافظ على شراكات مستمرة مع مختلف الجامعات ومراكز الأبحاث.
نظراً لوفرة النقوش الحجرية والكتل المزخرفة التي أُزيلت من المعبد، شُيّد هيكل/حماية خاص لحمايتها من التآكل. إضافةً إلى ذلك، شُيّد نموذج معماري لبيت سيرينوس بالقرب من مدخل الموقع، والذي سيُشكّل محور مركز استقبال الزوار عند استئناف السياحة.
أكد محسن ذلك لايجي برس، قائلاً إن هذا المنزل المُعاد بناؤه يُتيح للزوار تجربة واقعية للحياة اليومية في القرن الرابع الميلادي دون تعريض المبنى الأصلي لخطر الانهيار. كما أشار إلى ضرورة ترميم نسخة المنزل القديم بعد هطول أمطار غزيرة استثنائية ضربت المنطقة مؤخرًا لإتاحتها للزوار مرة أخرى. وأشار إلى أن القيادة العلمية فضّلت إتاحة النموذج للجمهور على المبنى الأصلي، الهشّ هيكليًا وفنيًا.
تتميز بعض منازل الأمهدية بزخارف جدرانية ملونة تصور مشاهد أسطورية ومناظر طبيعية، وهو تراث بصري يعكس رقي الذوق وتنوع مصادره الرمزية في مجتمع واحة متعدد الثقافات.
أشار محسن إلى أن بيت سيرينوس يتميز بنظام زخرفي فريد في قاعة الاستقبال الكبرى، مما يُتيح تفسيرًا جديدًا للهوية الفنية للواحات في أواخر العصور القديمة. كما اشتهرت بعض القاعات الكبرى بأعمدتها المزدوجة، مما يعكس روعة التصميمات الداخلية. ويُمثل البرنامج الجمالي في بيت سيرينوس مرجعًا لفهم تفاعل الواحات مع الثقافة الكلاسيكية خلال فترة التحول الديني.
وكان المبنى التعليمي المجاور لبيت سيرينوس يحتوي على نصوص يونانية مرسومة مباشرة على الجدران، بما في ذلك خمسة نقوش تدعو الطلاب إلى إظهار بلاغتهم في صحبة الموسيقى.
أكد ذلك عالم الآثار منصور عثمان من الوادي الجديد، مشيرًا إلى أن هذا الاكتشاف النادر أثار اهتمامًا علميًا كبيرًا بفضل تصميمه النابض بالحياة، الذي يُذكرنا بالفصول الدراسية الحديثة بمقاعدها ونصوصها. يُتيح هذا الاكتشاف للباحثين فهمًا عمليًا لأساليب التدريس في مدينة الواحات. كما تُقدم النقوش التربوية رؤىً ثاقبة عن الحياة المدرسية اليومية، بدءًا من صرامة التدريب على الخطابة ووصولًا إلى هيكل الفصل الدراسي ومكوناته.
أدى اكتشاف كاتدرائية قديمة بين عامي ٢٠١٢ و٢٠٢٣، ونشر المجلد الأول من دراستها عام ٢٠٢٤، إلى إعادة وضع أمهدية على خريطة المسيحية المبكرة في الصحراء الغربية. تضم الكاتدرائية الصغيرة أحد أقدم سراديب الموتى المكتشفة في مصر، وأثارت جدلاً علمياً حول طقوس الدفن المسيحية المبكرة وعلاقة المدينة بتحول العبادة من معبد تحوت إلى بيئة كنسية ناشئة.
وأكد منصور ذلك وأشار إلى أن هذا الاكتشاف يدل على أن التغيير الديني في الواحات لم يكن هامشيا، بل خلق هياكل حضرية وطقسية جديدة.
إن الأمهدية ليست مجرد “مستوطنة رومانية” في صحراء شاسعة؛ بل هي أرشيف شبه كامل للحضارة: مجلس محلي ونخبة حضرية، ومدرسة يونانية للبلاغة، وحمام عام، وهندسة معمارية منزلية متقنة، ومعبد لإله مصري قديم، وكنيسة جنائزية مبكرة؛ كل ذلك ضمن نسيج اجتماعي واقتصادي متصل بالواحات الأخرى ووادي النيل.
واختتم مدير هيئة وادي الجد السياحي حواره مع ايجي برس بالقول إنه عندما هُجرت المدينة في نهاية القرن الرابع الميلادي، وفرت الرمال دون قصد حماية استثنائية لمدينة بأكملها، والتي يمكن الآن رؤية طبقاتها طبقة بعد طبقة، وكأنها تحكي لنا كيف عاش الناس وتعلموا وتعانقوا وتبادلوا البضائع في قلب الصحراء.