الفيلم الفلسطيني صوت هند رجب يهز مهرجان فينيسيا السينمائي

• إن مشاركة براد بيت وخواكين فينيكس كمنتجين منفذين يدعم الحضور الدولي للسينما الفلسطينية ودعم قضيتها. استغرق تصوير الفيلم عامًا كاملًا، واعتمد على لقطات حقيقية بين الفتاة والهلال الأحمر. المخرجة كوثر بن هنية: أوقفت كل مشاريعي من أجل هذا الفيلم.. والقصة لا تتعلق بغزة فقط، بل تتحدث إلى الضمير العالمي. والدة هند رجب: لا شيء يُخفف ألم فقدان ابنتي. أشعر بالقوة لأن صوتها سيصل إلى العالم أجمع. مدير المهرجان: نرفض أي مقاطعة سياسية.. والفيلم سيكون الأبرز في المسابقة الرسمية هذا العام. تقرير إسرائيلي يبرئ جيش الاحتلال من دماء الطفلة.
أحدث الفيلم الفلسطيني “صوت هينج رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية ضجة عالمية كبيرة قبل أيام من عرضه في المسابقة الدولية الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في دورته الثانية والثمانين التي انطلقت الأربعاء الماضي في إيطاليا. قصة طفلة فلسطينية في السادسة من عمرها قُتلت بوحشية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي بعد احتجازها في سيارة، ولم تتمكن سيارات الإسعاف من الوصول إليها. ألهمت المخرجة الفلسطينية كوثر بن هنية لتجسيد دور الطفلة في فيلم. اضطرت لاحقًا للتخلي عن جميع مشاريعها الأخرى التي كانت تُعدّها. ليس هناك وسيلة أنجع لنقل هذه الكارثة الإنسانية من السينما.
قصة استشهاد الفتاة
يروي الفيلم قصة استشهاد الطفلة هند رجب، التي حُوصرت داخل سيارة في قطاع غزة استهدفتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب التي أعقبت عملية “الجرف الصامد” في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ورغم محاولات متطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني إبقاءها على الخط لمدة 70 دقيقة لإنقاذها وإرسال سيارة إسعاف، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، واستشهدت الطفلة، البالغة من العمر ست سنوات آنذاك. من المقرر عرض الفيلم في 3 سبتمبر/أيلول بحضور صناعه ونجومه، وعلى رأسهم المخرجة كوثر بن هنية. كما سيُعرض في المسابقة الدولية الرسمية لمهرجان تورنتو السينمائي الدولي بكندا قريبًا.
الحماس العالمي قبل العرض
حتى قبل إصداره، أثار الفيلم ضجة عالمية باختياره للعرض الأول في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، وهو حدثٌ بالغ الأهمية. لكن ذلك لم يكن كافيًا: فعندما أعلن براد بيت وخواكين فينيكس أنهما سيتولّيان الإنتاج التنفيذي، زاد الخبر من حماس الجمهور. ووفقًا لتقارير إعلامية، قرر الممثلان الشهيران الانضمام كمنتجين تنفيذيين حتى بعد انتهاء جميع مراحل إنتاج الفيلم، بعد اطلاعهما على نسخة قصيرة ومُعدّلة من مخرجي المهرجان. واكتفت وسائل الإعلام الغربية بذكر هذا دون الإدلاء بأي تصريحات من جانبها.
انضم إليهم عدد من المنتجين والفنانين الأمريكيين، أبرزهم المخرج والكاتب الحائز على جائزة الأوسكار ألفونسو كوارون؛ والممثلة الإيطالية الأمريكية الشابة روني مارا؛ والمخرج جوناثان جليزر؛ والمخرجة والمنتجة ديدي غاردنر؛ والمخرج والمنتج المنفذ جيريمي كلاينر، شريك براد بيت في شركته الإنتاجية؛ ورجل الأعمال الكندي فريد جيسترا، المؤسس السابق لشركة ليونزجيت؛ والصحفية والمنتجة جيميما خان؛ ومصممة المجوهرات وعارضة الأزياء والناشطة سابين غيتي. كما تلقى الفيلم دعمًا من مؤسسات فنية كبرى في المملكة المتحدة والشرق الأوسط، بالإضافة إلى شركة إنتاج بيت. وبحسب تقارير إعلامية، تُمثل مشاركة هؤلاء النجوم دفعةً قويةً للسينما الفلسطينية قبل عرضها الأول في مهرجان البندقية السينمائي الدولي. في الساعات التي سبقت حفل افتتاح المهرجان يوم الأربعاء الماضي، شهدت المنطقة مظاهراتٍ واحتجاجاتٍ ضد الحرب في قطاع غزة. ورفعت لافتاتٌ كُتب عليها “الحرية لفلسطين” و”أوقفوا الإبادة الجماعية”.
تسجيل صوتي يشعل الشرارة.
كشفت المخرجة التونسية كوثر بن هنية عن خلفية ودوافع إنتاج هذا الفيلم. بدأ كل شيء في مطار لوس أنجلوس أثناء قيامها بجولة عالمية للترويج لفيلمها المرشح لجائزة الأوسكار “أربع بنات”. وبينما توقفت الطائرة وجلست لالتقاط أنفاسها، عثرت على تسجيل صوتي لمحادثة بين هند رجب، البالغة من العمر ست سنوات، ومتطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني. استمرت المحادثة 70 دقيقة كاملة، حيث بُذلت كل الجهود لنقلها بسيارة إسعاف بعد أن حوصرت هي وعائلتها في سيارة خاصة بسبب دبابات جيش الاحتلال. في النهاية، استشهدت الفتاة شهيدة. وصفت هنية هذه اللحظة في مقابلة صحفية قائلةً: “كان الأمر كما لو أن صوتها انتشر عبر الإنترنت، وتوقف عالمي تمامًا. شعرتُ بمزيج من المشاعر القاسية والحزن والأسى. في تلك اللحظة، أدركتُ أنني مضطرة لإنتاج فيلم عن هذه الحادثة، وإيقاف جميع المشاريع الأخرى التي كنتُ أعمل عليها”. وكانت المخرجة كوثر بن هنية قد صرحت في وقت سابق أنها كانت تخطط لتقديم مشروع فيلم آخر عملت عليه وكتبته لمدة عشر سنوات، إلا أنها أوقفته للتركيز على فيلم “صوت هند رجب”. قالت كوثر بن هنية، المرشحة لجائزة الأوسكار مرتين، عن الفيلم: “يروي قصة بسيطة للغاية، لكنها في الوقت نفسه قصة صعبة للغاية. لا أستطيع تقبّل عالم يطلب فيه طفل المساعدة ولا أحد ينقذه. هذا الألم والفشل يؤثران علينا جميعًا. هذه القصة لا تتعلق بغزة فحسب، بل تخاطب الضمير والحزن العالمي اللذين وصلا إلى حد الكارثة”.أعتقد أن هذا الخيال، خاصةً عندما يستند إلى أحداث حقيقية مؤلمة وموثقة، هو الأداة السينمائية الأهم والأقوى. إنه أقوى حتى من أي خبر أو منشور حالي يتلاشى في طيات النسيان، أضافت كوثر. “السينما قادرة على أن تُمثل ذكرى خالدة، وأن تمحو كل محاولات طمسها. آمل أن يكون الفيلم صوتًا مسموعًا.”في هذا الفيلم، أكدت هنية أنها تواصلت مع مؤسسة الهلال الأحمر للحصول على هذا التسجيل الصوتي، وأنهم تعاونوا معها. سيُعرض التسجيل الأصلي في الفيلم. يهدف المخرج إلى نقل مشاعر الفتاة الحقيقية ولحظاتها المؤلمة، بالإضافة إلى محاولات الإنقاذ الفاشلة. صُوّر الفيلم على مدار عام كامل في موقع تصوير واحد بتونس، ويُعتبر أقصر وأسرع لقطة في تاريخ المخرج السينمائي.
والدة هند رجب
في تصريحات صحفية، أكدت وسام حمادة، والدة الطفلة الشهيدة هند رجب، أن المخرجة كوثر بن هنية تواصلت معها لمناقشة رغبتها في إنتاج فيلم عن الحادثة. وقالت حمادة: “رغم الألم والحزن العميقين، إلا أنني عندما أخبرتني كوثر برغبتها في تقديم هذا المشروع، أيقنت فورًا أن صوت هند يجب أن يُسمع بصوت عالٍ وواضح. بعد عام – وهو الوقت الذي استغرقه إنتاج الفيلم – سيُعرض الآن في مهرجان البندقية السينمائي”. وأضافت: “كأم، لا شيء يُخفف ألم فقدان ابنتي، لكن مجرد معرفة أن صوتها سيتردد صداه في جميع أنحاء العالم يمنحني القوة. أشكر كوثر بن هنية على تقديم هذا الفيلم”.
تقرير إسرائيلي
لم يتجاهل الجانب الإسرائيلي خبر عرض الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي، بل عمد إلى تناوله في تقرير، منحازًا للجيش الإسرائيلي. صوّر التقرير، الذي نشرته صحيفة تايمز أوف إسرائيل قبل ساعات من افتتاح مهرجان البندقية السينمائي، تظاهرات غزة المناهضة للحرب أمام قاعة الافتتاح على أنها مجموعة صغيرة من المتظاهرين اليساريين. وذكر التقرير أن فيلم “صوت هند رجب” سيُعرض في المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، ووصف القصة بأنها “الطفلة هند التي قُتلت أثناء محاولة إجلاء”. وتبنى التقرير وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، الذي سبق أن نفى وجوده في المهرجان في بيان لاحق. رغم أن التقرير لم يُشكك في مصداقية الأحداث الواردة في التسجيل الصوتي الذي أصدره الهلال الأحمر الفلسطيني، والذي أكد التواصل مع الفتاة التي اتصلت هاتفيًا طلبًا للمساعدة، والمحاولة اليائسة لإرسال سيارة إسعاف بعد تمركز دبابة إسرائيلية بالقرب من سيارة الشهيدين، إلا أن هند توفيت لاحقًا. وينص التقرير الإسرائيلي حرفيًا على أن “التواصل مع المسعفين استمر لمدة ثلاث ساعات قبل أن ينقطع الاتصال تمامًا”. إلا أنه اختتم حديثه بالتأكيد على موقف الجيش الإسرائيلي الذي أوضح في بيان له بعد أيام قليلة من الحادثة أنه لا يوجد جنود في تلك المناطق. إلا أن تقريرًا آخر لصحيفة واشنطن بوست أكد عدم دقة الرواية الإسرائيلية وطبيعتها المضللة. واستند التقرير إلى تسجيل صوتي أصدره الهلال الأحمر الفلسطيني، أظهر بوضوح وجود دبابات إسرائيلية في موقع الحادث. وكان ذلك واضحًا من صوت إطلاق النار، الذي يتوافق مع الذخيرة التي استخدمها الجيش الإسرائيلي.
مدير المهرجان
في تصريحات صحفية، علق مدير مهرجان البندقية السينمائي، ألبرتو باربيرا، على اختيار الفيلم الفلسطيني في المسابقة الرسمية. وأكد مجدداً وعي المهرجان ودعمه لأهالي غزة، ووصف الحرب بـ”العبثية”. وأكد حينها أن الاختيار يعكس الموقف الإنساني للمهرجان تجاه أزمة غزة. بل توقع باربيرا أن يكون الفيلم، بفضل محتواه الإنساني والسياسي، من أبرز الأفلام في المسابقة الرسمية، وأن يترك انطباعاً لا يُنسى. ردًا على دعوات المقاطعة التي أطلقتها بعض الجهات، نفى باربيرا أن يكون عرض الفيلم في المهرجان دعوةً لـ”مقاطعة سياسية”، بل وفّر منبرًا حقيقيًا للنقاش. المهرجان مؤسسة ثقافية إيطالية، ومساحة مفتوحة ومنصة للحوار، ولا يمارس الرقابة. يهدف الفيلم إلى تسليط الضوء على الوضع الإنساني المؤلم للضحايا، وخاصة الأطفال.