خطر إجباري.. شبح “معديات الموت” يعود للمنوفية بعد إغلاق الطريق الإقليمي
في صمت ثقيل، يقطعه هدير محركات سيارات كثيرة، تقف “عبارات أشمون” على ضفاف نهر رشيد مثل سفن خشبية تتأرجح على الماء، تحمل على ظهورها مصيرًا مجهولًا لكل من يستقلها.
لا تُشير السيارات المارة إلى أن الحياة تسير كالمعتاد. وجوه القلق وأصوات تذكر أحداث الماضي تُصبح حدثًا يوميًا. يعود ذلك إلى قرار وزارة النقل المفاجئ بإغلاق الطريق الإقليمي عقب الوفاة المأساوية لتسعة عشر شابًا وفتاة. لم يعد أمام السكان المحليين خيار سوى استخدام هذه العبّارات – التي كانت تُوصف سابقًا بـ”القنابل الموقوتة” – كبديل إلزامي لعبور النهر.
عندما يأخذك الحاضر إلى أماكن الغرق
لم تكن هذه المرة الأولى التي يُناقش فيها خطر العبارات في المنوفية. فما زالت ذكرى غرق عبارة في أغسطس/آب 2021، في أشمون، عالقة في الذاكرة الجماعية. كان على متنها 22 شابة لقوا حتفهم بفظاعة في لحظات صادمة بعد يوم عمل شاق في الحقول. كانت رحلتهن الأخيرة، وأسماءهن الآن محفورة في ذاكرة المحافظة.
في عام ٢٠١٥، سقطت شاحنة صغيرة محملة بالعمال في نهر النيل عند عبّارة سنتريس. وفي عام ٢٠١٧، وقع حادث مأساوي آخر عندما انقلبت دراجة ثلاثية العجلات تقل أطفالًا في النهر. وفي عام ٢٠٢٠، تلا ذلك حادث تصادم بين عبّارة تاليا ونهر النيل، مما أسفر عن إصابات، ولكن نجاة بأعجوبة.
جسر أشمون أبو غالب: مشروع مؤجل وآمال مؤجلة
في ظل تكرار الحوادث، تتزايد الدعوات لإنشاء جسر أشمون أبو غالب، الذي كان من المفترض أن يوفر حلاً دائمًا لأزمة المعبر الحدودي. بدأ العمل في الجسر عام ٢٠٢٢، ووعدت الوزارة بإكماله عام ٢٠٢٣. لكن الواقع يخالف هذه الوعود. لا يرى المواطنون سوى أعمدة خرسانية صامتة مصطفة بلا حراك، وكأنها شاهد على الإهمال.
تحذيرات جديدة وصور متكررة
مع ازدياد حركة العبارات عقب الإغلاق الإقليمي، غمرت التحذيرات العاجلة مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان “عبارات المنوفية: كارثة وشيكة”. لم يعد أمام المسافرين خيار سوى سلوك طريق القناطر غير الملائم أو المخاطرة برحلة العبارات، بسبب غياب واضح للتنظيم وضعف ضوابط الشحن والصيانة.
التعبئة المحلية… هل هذا يكفي؟
أكد طارق أبو حطب، رئيس مركز ومدينة أشمون، أنه وجّه رؤساء الوحدات المحلية الريفية بإجراء معاينة ومتابعة للحالة العامة لجميع العبارات العاملة على طريق رشيد في قرى مركز أشمون، والتأكد من سلامتها وتوافر معدات السلامة والإنقاذ، وتحذير أصحابها وحثهم بشدة على عدم استخدام سيارات الأجرة على العبارات النهرية، وذلك حفاظًا على أرواح المواطنين أثناء إغلاق الطريق الإقليمي. كما وجّه رؤساء الوحدات المحلية الريفية باتخاذ جميع التدابير اللازمة وتنفيذ هذه التعليمات بكل حزم. ورغم أهمية هذه الإجراءات، إلا أنها تثير تساؤلات حول مدى ملاءمتها في ظل تاريخ طويل من الكوارث المؤلمة.